صديق الحسيني القنوجي البخاري

578

فتح البيان في مقاصد القرآن

لغتان وأصل الرّشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد وهو ضد الخيبة . ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من تكبرهم وعدم الإيمان بالآيات وتجنب سبيل الرشد وسلوك سبيل الغي وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها . وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الدار الْآخِرَةِ يعني لقاءهم لها أو لقاءهم ما وعدوا به فيها ذكرهما الزمخشري حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الحباط البطلان أي بطل ما عملوه في الدنيا مما صورته صورة الطاعة كالصدقة والصلة وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعات لهم كأن لم تكن ، ويحتمل أن يراد : أنها تبطل بعد ما كانت مرجوة النفع على تقدير اسلامهم لما في الحديث الصحيح « أسلمت على ما أسلفت من خير » « 1 » . هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما أي بما كانُوا يَعْمَلُونَ أو على ما كانوا أو جزاء ما كانوا ، قدره الواحدي وقال هنا : لا بد منه قال السمين وهو واضح ، لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه إنما يجزون بمقابلة أعمالهم من الكفر باللّه والتكذيب بآياته وتنكب سبيل الحق وسلوك سبيل الغي . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 148 إلى 149 ] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد خروجه إلى الطور وذهابه إلى المناجاة مِنْ للتبعيض أو للابتداء أو للبيان حُلِيِّهِمْ التي استعاروها من قوم فرعون للعيد ليتزينوا به حين هموا بالخروج من مصر ، وإضافتها إليهم لأنها كانت في أيديهم أو لأنها بقيت عندهم إلى أن هلك فرعون وقومه فصارت ملكا لهم ، والحليّ بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلى وبه قرأ أهل المدينة وأهل البصرة . وقرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي إلا عاصما بكسر الحاء بالاتباع أي باتباع الحاء للام كدلي وهو ظاهر ، وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء قال النحاس : جمع حلي وحليّ وحلى مثل ثدي وثديّ وثدي . عِجْلًا أي اتخذوا عجلا إلها و جَسَداً بدل من عجلا أو وصف له يعني : اتخذوا من ذلك الحلي وهو الذهب والفضة عجلا لَهُ خُوارٌ أي صوت البقر ، هذا

--> ( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ ، مسلم في الإيمان حديث 194 ، 195 ، 196 ، وأحمد في المسند 3 / 402 ، وروي الحديث أيضا بلفظ : « أسلمت على ما سلف من الخير » ، أخرجه بهذا اللفظ البخاري في الزكاة باب 24 ، والأدب باب 16 ، والبيوع باب 100 ، والعتق باب 12 .